السيد هاشم البحراني

141

البرهان في تفسير القرآن

أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وقال الله عز وجل : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً ) * « 1 » وقال : فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ) * « 2 » فارغبوا في هذا يرحمكم الله ، واعملوا له ، وتحاضوا عليه . واعلموا - يا عباد الله - أن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله ، وشاركوا أهل الدنيا في دنياهم ، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم ، أباحهم الله في الدنيا ما كفاهم به وأغناهم ، قال الله عز وجل : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِه والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) * « 3 » سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت ، وأكلوها بأفضل ما أكلت ، وشاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ، ما يأكلون ، وشربوا من طيبات ما يشربون ، ولبسوا من أفضل ما يلبسون ، وسكنوا من أفضل ما يسكنون ، وتزوجوا من أفضل ما يتزوجون ، وركبوا من أفضل ما يركبون ، أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا ، وهم غدا جيران الله تعالى ، يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون ، لا ترد لهم دعوة ، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة ، فإلى هذا - يا عباد الله - يشتاق من كان له عقل ، ويعمل له بتقوى الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . يا عباد الله ، إن اتقيتم وحفظتم نبيكم في أهل بيته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد ، وذكرتموه بأفضل ما ذكر ، وشكرتموه بأفضل ما شكر ، وأخذتم بأفضل الصبر والشكر ، واجتهدتم أفضل الاجتهاد وإن كان غيركم أطول منكم صلاة ، وأكثر منكم صياما ، فأنتم أتقى لله منه ، وأنصح لاولي الأمر . احذروا - يا عباد الله - الموت وسكرته ، فأعدوا له عدته ، فإنه يفجأكم بأمر عظيم ، بخير لا يكون معه شر أبدا ، وبشر لا يكون معه خيرا أبدا ، فمن أقرب إلى الجنة من عاملها ؟ ومن أقرب إلى النار من عاملها ؟ إنه ليس أحد من الناس تفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أي المنزلين يصير : إلى الجنة ، أم إلى النار ، أعدو هو لله أم ولي ؟ فإن كان وليا لله فتحت له أبواب الجنة وشرعت له طرقها ، ورأى ما أعد الله له فيها ، ففرغ من كل شغل ، ووضع عنه كل ثقل ، وإن كان عدوا لله فتحت له أبواب النار ، وشرعت له طرقها ، ونظر إلى ما أعد الله له فيها ، وفاستقبل كل مكروه ، وترك كل سرور ، كل هذا يكون عند الموت ، وعنده يكون بيقين ، قال الله تعالى : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * « 4 » ، ويقول : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ « 5 » . يا عباد الله ، إن الموت ليس منه فوت ، فاحذروه قبل وقوعه ، وأعدوا له عدته ، فإنكم طرائد « 6 » الموت ، إن أقمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم ، وهو ألزم لكم من ظلكم ، الموت معقود بنواصيكم ، والدنيا تطوى خلفكم ،

--> ( 1 ) النباء 78 : 36 . ( 2 ) سبأ 34 : 37 . ( 3 ) الأعراف 7 : 32 . ( 4 ) النحل 16 : 32 . ( 5 ) النحل 16 : 28 - 29 . ( 6 ) الطرائد : جمع طريدة ، ما طردت من صيد وغيره . « لسان العرب - طرد - 3 : 267 » .